من السنغال إلى سبها ‫:‬ رحلة نحو التسول

من السنغال إلى سبها ‫:‬ رحلة نحو التسول

عبدالمنعم الجهيمي , سبت 19-11-2016

"‬نريد الذهاب للمدرسة‫"‬  هذا ما بادرتنا به زينب وحسنة عند لقاءنا بهما في إحدى الحدائق العامة بمدينة سبها، حسنة وزينب (6-7‫ ‬ سنوات) هما طفلتان من السنغال هاجرتا مع العائلة قبل ثلاثة أعوام إلى ليبيا، طمعا في حياة أفضل‫.‬

   تقول حسنة أنها امتهنت التسول مع أمها كل يوم ، حيث تخرجان  في الصباح الباكر لتقصدا  المحلات التجارية والمدارس التي تعج بالمارة من الطلبة وأهاليهم والموظفين ، وعند العاشرة تتوجهان لوسط المدينة حيث تزدحم المصارف والمؤسسات الإدارية والمحاكم، وأخيرا عند المساء تقصدان المقاهي والحدائق العامة، لينتهي يوم حافل بالمخاطر والمآسي والأحداث

 

طفولة مسروقة

   تتحسر زينب وهي تحكي لنا عن المشهد الذي تراه كل يوم ، فهي تقصد المدرسة لا للتعلم ولكن للتسول، رافقناها للحظات 

كانت تقف أمام باب المدرسة وعيناها تنظران باستمرار لحقائب الأطفال، ترقب تفاصيل وصول بعضهم مع والديهم والأحاديث التي تدور بينهم، منظر زينب ذات السبعة أعوام بثوبها المهترئ و ساقيها الحافيتين  لايثير إهتمام أحد من المارة ، فقد تعود أهل المدينة على تواجد الأطفال  المتسولين فيها، هذا الواقع تعيشه زينب وحسنة اللتان تعتقدان أن أمهما في حاجة لعملهما ، فحين حاولنا لوم الأم أمام الطفلتين اندفعتا للدفاع عنها وعن عملهما معها‫.‬

   تبدو حسينة والدة الطفلتين شديدة الإهتمام بطفلتيها، كان ذلك واضحا في سؤالها عنهن ومتابعتهن ، لم ننتبه حين كنا نتحدث مع الطفلتين على مدى يومين أن أمهما تقف بالجوار وتتابع المشهد باهتمام، تحدثت معنا حول رغبتها في تعليم بناتها ‫:‬ ‫"‬ لم أجد ما أفعله لأجلهن ، حياتنا صعبة وعلينا تأمين لقمة العيش ، كان عمل ابنتي  في التسول أمرا مفروضا لاخيار لنا فيه ‫"‬ هذا مابادرتنا به حسينة و التي أضافت ‫:"‬ أتيت وبناتي في رحلة محفوفة بالمخاطر عبر الصحراء إلى ليبيا، رحلة فقدت فيها زوجي، وحين وصلت لسبها كان المشهد أمامي غير متوقع، ظننا أن الحرب في ليبيا انتهت منذ فترة، ولكن مانعيشه في سبها لايختلف تماما عما كنت ألقاه وأحياه في بلدي‫."‬

 

الحلم الليبي 

   تصر حسينة أنها لم تفكر يوما في الهجرة إلى أوروبا عبر ليبيا ، كان يكفيها أن تعيش بسلام واستقرار اقتصادي في ليبيا، فقد سبقتها

 قريبتها زليا التي عاشت في ليبيا لأكثر من ثلاثين عاما، تقول حسينة ‫:"‬ كانت زليا تزورنا في السنغال كل عامين قبل ثورة السابع عشر من فبراير، وكانت تأتي بالهدايا وغيرها، وكنا نحسدها  على الحياة التي تعيشها، فقد كان بمقدورها السفر والعودة وقتما تشاء، وهو ما لا يتوفر كثيرا لدى أقربائنا الذين نجحوا في الوصول الى أوروبا.

   بعد وصولها لسبها وصدمتها بالواقع هنا ،  حاولت حسينة البحث عن عمل، ولكن في سبها يقبل الناس على العمال الرجال ،  تقول ‫:"‬  حتى الخدمة في المنازل لم يكن لي فيه حظ، فأغلب العائلات تفضل تشغيل ينات بدون أطفال‫" ، هذا مادفعها لامتهان التسول مع ابنتيها ، تخبرنا أنها لوحدها تجني في اليوم الواحد تقريبا ثلاثين دينار ليبي، ولكن مع البنتين يصبح المبلغ قرابة السبعين دينارا و هو يرتفع في  مواسم الأعياد  ليقارب المائة دينار، ترفض حسينة إصلاح وتجميل مظهر ابنتيها، متعللة بضيق ذات اليد، وبأنها تحاول ان تدخر لهما المال الكافي لحياة كريمة  بحسب ما جاء في وصفها.

 

ظاهرة في ارتفاع 

   يقول رئيس قسم التحري والضبط بمركز شرطة القرضة يحيى شوايل، إن المركز سجل ارتفاع ظاهرة التسول واستخدام الاطفال في هذا المجال، موضحا أن عناصر الأمن صاروا غير قادرين على التعامل مع هذه الظاهرة في ظل فوضى تعم القطاع الأمني في المدينة ، كما أن أغلب المتسولين ينتشرون في أماكن لاتستطيع أجهزة الأمن التحرك فيها بحرية.

   ويضيف شوايل أنه لاتوجد إحصائيات أو بيانات توضح حجم ونسبة انتشار هذه الظاهرة، كما أن المنظمات العاملة في الجنوب لم تركز على الأطفال المهاجرين و دفعهم للعمل  أو غير ذلك من صور الإستغلال.

   كانت مؤسسات المجتمع المدني في سبها الأكثر ضعفا في هذا المجال، يقول الناشط عبدالواحد عطالله ‫:"‬  مؤسسات سبها الوطنية لاتضع في برامجها أو ورشها التدريبية والتوعوية فئة الاطفال المهاجرين ومايتعرضون له من استغلال وسوء معاملة ‫"‬ وتضيف الصحفية المستقلة عزيزة راشد إن مايحدث مع الاطفال المهاجرين لايلقى اهتمام من المؤسسات الإعلامية المحلية، فتتكرر مآسيهم .

   لاتكترث زينب واختها بالتفكير كثيرا في مستقبلهن، فتمضيان وسط شوارع المدينة ليعملن وسط مصير مجهول ينتظرهن، تركنا الفتاتين وهما واقفتين  قرب أحد المارة، ليترسخ مشهد مأساوي آخر يعيشه الأطفال المهاجرون في ليبيا  و يمر دون انتباه و لا رقابة.

عبدالمنعم الجهيمي

عبد المنعم الجهيمي, من مواليد سبها 1982, متحصل على ماجستير آداب تاريخ بجامعة طرابلس, كتب عدداً من الدراسات النقدية في مجال تخصصه, عمل كمراسل في عدد من القنوات الليبية, ناشط في مجال حقوق الإنسان و متعاوناً مع منظمة العفو الدولية, مسؤول على إدارة عدد من المنظمات الحقوقية في مدينته, عضو باللجنة الإعلامية لمجلس سبها المحلي, أسس فريقاً إعلامياً مهتم بإنتاج محتوى صحفي يخص الجنوب.
تمور جالو

محمد قبوزي , ثلاثاء 06-09-2016

تعتبر مدينة جالو من أبرز المناطق الليبية في إنتاج التمور الطبيعية ذات الأصناف عالية الجودة  والمميزة من ناحية

العسل الليبي

, أربعاء 07-09-2016

إن العسل في السنوات الماضية كان يعبر عن الكرم والجود في المنطقة الشرقية، حيث يقوم المسافر خارج المدينة بحمل العسل واللبن كهدية رمزية لمن يقوم بزيارتهم تعبيراً عن المحبة والعطاء.

, أحد 13-11-2016

مع دخول ليبيا مرحلة الصراع المسلح ارتفع سعر صرف الدولار مما أدى إلى عزوف الكثير من الطبقة الوسطى عن السفر لعدم قدرتهم على تحمل تكاليفه.