مهنة الصيد بين شغف الصيّادين و تدهور القطاع

مهنة الصيد بين شغف الصيّادين و تدهور القطاع

, خميس 15-12-2016

" على هذه الشطآن أتمشى إلى الأبد ،  بين الرمل مسعاي و بين الزبد "

 لا شك أن هذه الجملة التي كتبها  جبران خليل جبران منذ عشرات السنين تمس وجدان كل من ارتمت مدينته على أطراف البحر ،  و التقطت عيناه آلاف المشاهد لتناثر الزبد على الشاطئ لكنها لن تكون وصفا دقيقا إلا لمن امتهن البحر و حوّل مسعاه إليه ، فآنس حلكة ليله و اعتاد برد رياحه ، و تصلّب عوده ليجاري متاعب امتطائه و الظفر بما يزخر من ثروات فهي و بلغة مباشرة تصف مهنة الصيد و تختصر حياة ريّاسها ، الحياة التي ستأسرك تفاصيلها فور زيارتك للنادي البحري في مدينة طرابلس و الذي يعد مدينة قائمة الذات منفصلة عن الخارج و مفعمة بالحركة والألوان التي تطلي المراكب و تلوّن الشبابيك و تضج بلغة البحر الغريبة على السامعين ،أما أنا فقد كنت محظوظة جدا بزيارتي للنادي البحري   بفضل حوار شيّق مع الرايس منصور طلحة و هو أحد الصيادين القدامى  و قد  ورث و أخوه الرايس الطاهر طلحة  المهنة عن والدهما و امتهناها لما يقارب الأربعة عقود. 

 

الصيد حياة مختلفة و لغة مختلفة  

وصف الرايس منصور مهنة الصيد بأنها مهنة ذات رونق خاص تنسيك صخب الحياة و تلهيك عن التفكير بما تركته وراءك في البر ، و في محاولة منه لإيصال هذا الشعور الذي ينتابه تجاه مهنته دعاني لتجربة الصيد قائلا : 

" يمكنك تجربة شعور الصياد بنفسك ، جربي الصيد بالصنارة يوما ما و سترين كيف أنه لن يسعك التفكير فيما عليك من واجبات أو فيما تواجهين من مشاكل ، سينصب كامل تركيزك على الصنّارة و ستنتظرين بشغف أن تبتلع سمكة الطعم ، هكذا كانت بداية تعلقنا بالمهنة ، ارتعاش أطراف أصابعنا و حرصنا أن لا يفلت السمك و شعورنا بالإنجاز بعد كل رحلة صيد ناجحة . "

و عن المصطلحات التي كان يستخدمها في حديثه عن مواقف الصيد و أساليبه و التي لم أكن أفهمها قال : "لست أول من يواجه هذه المشكلة لقد كنا في زمن قديم نجتمع نحن الصيّادون في مقهى قديم في المدينة القديمة يدعى مقهى عيسى و كان زوّار المقهى يعتقدون في بعض الأحيان أننا نتحدث بلغة أجنبية كما أذكر أن أحد هواة الصيد كان قد رمى صنّارته بجانبنا و كنت حينها مع زملائي في النادي البحري نتبادل أطراف الحديث فيما نقوم بترقيع الشباك حين تقدم نحونا و قال لم أفهم أي شيء مما تقولون ، نحن نستخدم مصطلحات غير معروفة لدى العامّة كمصطلح  الباي  و الذي يعني الأجر الذي يتقاضاه كل واحد من المجموعة بعد رحلة الصيد أو مصطلح  النوّ  و الذي قد يتوارد في ذهن الكثير أنه بمعنى الارتفاع في درجة الحرارة كما في الدارجة الليبية إلا أنه في لغتنا يعني ارتفاع الموج و مستوى مياه البحر و هي الفترات التي يستحيل فيها الصيد ."

 

 الداخل مفقود و الخارج مولود  

حين سألت الرايس منصور عن مدى إمكانية توريث هذه المهنة لجيل الشباب أم أنها تشهد تراجعا في نسبة الإقبال عليها كغيرها من المهن الحرة أو الصناعات و الحرف المحلية أجاب : "نحن فعليا نبعد أبنائنا عن امتهان الصيد، ففي بداية عملنا كان الأجر الذي نتقاضاه كمبتدئين من الصيد يسد حاجاتنا الأساسية و يفيض أما الآن فالزمن قد تغير و متطلبات الحياة و أولوياتها تغيرت ، لا أخفي أنها مهنة ذات مكسب يوفر للإنسان حياة طيبة إلا أنها متعبة جدا وتحتاج لاستمرارية لتصبح كذلك بالإضافة لكونها مهنة صعبة و خطيرة جدا كما يقول المثل اللي خاش مفقود واللي مروح مولود ، فخطورة المهنة و صعوبتها اليوم لا تقتصر على المجهود الجسدي و العناء الذي نكابده و الخطر الذي نتعرض له من العوامل الطبيعية أو المخاطر التقنية فقط ، فقد أصبح البحر يعج برائحة الموت و  ازدادت حالات الغرق بسبب الهجرة غير الشرعية و التي يقوم البحر بقذف ضحاياها على الشاطئ ، فإن لم ترَ حالة فستسمع حتما رواية عن مشاهدة واحدة أو أكثر ، و بحكم عملنا الليلي فقد تعرضنا لرماية عشوائية لأكثر من مرة ."

 

البحر مصرف 

و حول  تأثر الصيادين بالوضع الاقتصادي المتدهور في البلاد و عن ما إذا كانوا يعانون من ذات الضائقة المادية  لممتهني القطاعات الحكومية  أخبرني الرايس : " التدهور الاقتصادي يطالنا جميعا و يؤثر على كافة القطاعات حكومية كانت أو حرة ، مؤخرا أصبحنا نعاني جدا من غلاء المعدّات و عدم ثبات سعرها في السوق بسبب الارتفاع المستمر للعملات الصعبة مقابل الدينار الليبي و لغياب الدعم والشركات التي كانت توفر المعدّات بمبالغ زهيدة مقارنة بالأرقام المتداولة اليوم و مع هذا فأنا و غيري من الريّاس نعتبر البحر مصرفا في ظل غياب السيولة النقدية في المصارف فهو يجنبنا الوقوف لأيام و أسابيع أمام أبواب المصارف طلبا للقمة العيش و على عكس الوضع الأمني السيئ ، ساهم التدهور الاقتصادي في زيادة الإقبال على الصيد من قبل الشباب الذين تقطعت بهم سبل المعيشة نحن حاليا أصبحنا نشتغل مع شباب ليبيين أكثر من الأجانب كما كان في السابق ."

 

 إهدار الموارد و الصيد الجائر  

 و في ما يتعلق بإهدار الموارد و الثروات البحرية قال الرايس : "البحر كالبر تماما يعاني من العديد من الخروقات الأمنية و الإهدار للموارد في ظل غياب دور خفر السواحل و الجهات الأمنية المختصة ، شهدنا في السنوات الأخيرة تزايد لاستخدام المتفجرات ،  لصيد كميات أكبر من السمك دون الكثير من العناء معرضين الثروة البحرية للنضوب حيث أن المناطق التي تستخدم فيها هذه المتفجرات لا تعود صالحة للحياة البحرية ،و قد بلغ هذا التجاوز إلى حد استخدام المتفجرات على مقربة من الميناء و  الكرنيش  الأمر الذي أدى لانخفاضه و تعريضه لخطر الانهيار في أي وقت ، بالإضافة لكون مياهنا الإقليمية أصبحت مستباحة من قبل دول الجوار و دول أجنبية و في الوقت الذي نملك فيه نحن الصيّادون المحليّون وسائل تعد بدائية وغير مهدرة للثروة البحرية كجهاز يعرف بالاسكنداليو و الذي يدلنا على مكان تواجد السمك و عمقه لمسافات صغيرة يمتلك الدخلاء و المخالفون أحدث أجهزة كالسونار التي تطلعهم على أماكن تواجد السمك وعمقه لمساحات كبيرة جدا من ثم يقومون بجرفه بالكامل ،في الحقيقة نحن نملك قانون صيد جيد يجرّم كل الخروقات التي قد تؤدي لإهدار الثروة البحرية ، كقانون الجرف الذي يجرّم استخدام الجرّافات في الفترة ما بين شهر يونيو حتى شهر سبتمبر و هي فترة تكاثر السمك و تزاوجه , و غيرها من القوانين و الضوابط التي تحمي الثروات البحرية من أيدي العابثين محلّيين و أجانب و التي تفتقر للتنفيذ بسبب ما تعانيه البلاد من توالي للأزمات و المشاكل . "

 

رغم الصعوبات التي حدثني عنها الريّاس و التحذيرات التي أطلقها إلا أنني لمست  جانبا إيجابيا يكاد يطغى على هذه الصورة القاتمة مصدره  شغف الريّاس و العاملين و علاقتهم الوثيقة بالبحر بمده و جزره بعطائه و غدره دون أي ضمانات مقدمة منه أو من الجهات المختصة بالقطاع  فمن يراهم و هم يعملون بتناغم فيما بينهم و بحرفية في ترقيع الشباك و تجهيز عدّة الرحلات و حديثهم الذي ينبض  بحب المهنة أكثر من سخطهم من الأوضاع الراهنة يدرك أن هذا المجال سيبقى قائما بذاته بل سيشهد انتعاشا كبيرا متى توفرت الظروف و سيعود ليكون جهة منعشة للاقتصاد المحلّي لما نملك من موارد بحرية غنية و موارد بشرية شغوفة بعملها .

تمور جالو

محمد قبوزي , ثلاثاء 06-09-2016

تعتبر مدينة جالو من أبرز المناطق الليبية في إنتاج التمور الطبيعية ذات الأصناف عالية الجودة  والمميزة من ناحية الطعم والشكل ومن أهمها الدقلة و الصعيدي .

العسل الليبي

, أربعاء 07-09-2016

إن العسل في السنوات الماضية كان يعبر عن الكرم والجود في المنطقة الشرقية، حيث يقوم المسافر خارج المدينة بحمل العسل واللبن كهدية رمزية لمن يقوم بزيارتهم تعبيراً عن المحبة والعطاء.

, أحد 13-11-2016

مع دخول ليبيا مرحلة الصراع المسلح ارتفع سعر صرف الدولار مما أدى إلى عزوف الكثير من الطبقة الوسطى عن السفر لعدم قدرتهم على تحمل تكاليفه.