الغيطة : "قِيموها يا عقّالها"

الغيطة : "قِيموها يا عقّالها"

, خميس 30-11-2017

الغيطة لون من الفنون الشعبية الليبية يؤديه مجموعة من الشباب "الكورس" يتوسطهم فنان "الغيّاط" يقود الجلسة الفنية الصاخبة التي يبدأها بصيحة تنبيهٍ يتبعها أبياتٍ قد تكون منظومة ، ثم ينهيها بشطرة يكملها الكورس بصوت جماعي موحد ، وتشارك في النوبة آلات الايقاع والدفّ والطبل .

 

تبدأ نوبة الغيطة باطلاق صيحة تنبيه طويلة النفس ليلفت الفنان انتباه المشاركين إلى جهوزيته ، فيصيح الجميع ويتوقف الايقاع والدف والتصفيق تماما .

ويشرع "الغيّاط" بإلقاء كلمات من قبيل :

"حليمةٌ لما رأت .. أنواره قد أشرقت .. مالت إليه وعنّقت .. وقبلت تحت اللثام ...وأقبلت وهي تقول .. لبعلها : نلنا القبول .. لا شكّ في هذا الرسول.. هذا المظلل بالغمام .. يا تربح صلي .."

فيجيب "الكورس" بصوت جماعيّ موحدٍ عالٍ : "على النبي".

ويستأنف "الغياط" : صلوا صلوا . فيقولون : "على النبي" .. وهكذا.

ثم يدخل التصفيق الجماعي المنتظم والسريع بالأكفّ ، وبعدها يدخل الايقاع ثم الدفّ ، في مشهد فني صاخب كأنه لوحة سريالية تطفح ألوانها عفوية وبساطة لا تخلو من فوضوية محببة !.

كما أن هناك طريقة أخرى يمكن أن تبدأ بها نوبة الغيطة وهي الغناء الجماعي لنصوص منسوبة لفن "المرسكاوي" مثل :

" إبرتي يا إبرتي دزّتني معلمتي على راس بصل .. طَاح مني وانكسر .. علقتني في الشجر .. والشجر اعروق اعروق .. مدّي يدك يا العروس .. بين النحلة والدبوس .. هيييييييييييييه .. شيلو" .. ثم يبدأ التصفيق الجماعي الصاخب وتشتعل النوبة !.

 

فن شبابي بامتياز

لا يكاد يعرف تاريخ دقيق لبداية هذا الفن ، لكن  كثيرين يعتقدون أنه وُلد بشكل أساسي شرق ليبيا في النصف الأول من القرن الماضي ، وهو شبيه بفن "المرسكاوي" – نسبةً إلى مدينة مرزق بالجنوب الليبي- وشبيه بفنون الغناء الليبية الشعبية الأخرى من حيث الأجواء العامة.

يقول مسعود سواطير (فنان غيطة من مدينة طبرق) لليبيا المحلية

"بداية الغيطة كانت من مدينة بنغازي ربما في الثلاثينيات من القرن العشرين وكانت تسمى (دنقة) وأول من غناها هم المزن (ذوو البشرة السمراء) ، لذلك كان يقال : حيوا المزن .. دلال الغيطة .. يفزع وين اتصير العيطة. وهو فنّ شبابي معروف في الشرق فقط أما غرب ليبيا فلديهم الزكرة" .

في الربع الأول من القرن العشرين كانت الغيطة تصاحب مسيرة العريس الراجلة لاحضار العروس خلال الأفراح ، والمسماة شعبيا "الزّفّة" وعلّ السير على الأقدام ساعد بتهيئة الجو الملائم ، وكانت ترافق الموكب عربة يدوية مليئة بالفحم المشتعل للتدفئة تسمى "البرويطة" يقودها أحد الشباب.

وتحظى الغيطة بالاهتمام والقبول لدى شريحة الشباب خصوصا ، فلا تكاد تخلو منها رحلاتهم البرية أو البحرية ومهرجاناتهم ومناسباتهم ، فتجدهم يكررون كلماتها ويتحمسون لأجوائها عالية الحيوية والصخب.

 

الآلات والغيّاطون

 

تتميز الغيطة بسرعة الايقاع وعنفه ، وهو ما يجعل النوبة شبيهةً بحفلة موسيقى "هارد روك" الغربية المشتقة من موسيقا الروك, ولحنها الصاخب بمشاركة آلاتالجيتار والدرامز.

يقول خليفة موحي (فنان غيطة من مدينة اجدابيا) :"من حيث الآلات الموسيقية فنحن نعتمد على الايقاع "الدربوكة" والدفّ "البندير" والطبلة ، إلى جانب الرقّ "الشكشاكة" أو "الزمّارة" ، مع التصفيق باليدين بشكل سريع ومنتظم"

اشتهر بأداء الغيطة في بنغازي عدد من الفنانين من أشهرهم : احميدة درنة - أحمد العكشي – أحمد الحوري – شعبان دومة – سعد الوسّ – عيسى موسى – سعد العبدلي – عمران طرة –عادل الجنقال – فتحي البكوش – احميدة ساطي – محمود زوبي – منعم واحميدة عاشور.

وفي طبرق : مسعود سواطير ومسعود ارحومة.

وفي اجدابيا : المرحوم علي خربوط وعمر طرنيو وعادل اسكرّو وخليفة موحي وغيث النمس.

يقول عادل الجنقال (فنان غيطة من مدينة بنغازي)

"هناك غيطة قديمة تسمى الجرّ من أمثلتها : (طنطاوي ، بلا حيلة) وكان أبرز روادها احميدة درنة وسي مخلوف والوداوي في حي الوحيشي ، وأنا اعتبر الشاعر عيسى موسى من رواد الغيطة الحديثة وهو مجدد لها بما أضاف من أشعار نحو قوله (اللي ما عنده .. حي عليه ، الناس اتدوسا .. ما تبّيه)"

 

 

كلمات الغيطة

يكشف الفنان مسعود سواطير أن "أفضل كلمات أغاني الغيطة هي أبيات الشعر الشعبي المعروفة باسم "الطقّ" أو "الطّبّيلة" عند أهل البادية لأنه شعر موزون ومقفى وجاهز للأداء ".

وإن كانت المشاهدة العملية لأشعار الغيطة تبين عدم اشتراط القافية الواحدة ، بل ربما تجد الكلمات المبهمة ، لأنها تتناقل اعتمادا على السماع والحفظ لا الكتابة والتدوين.

أشعار الغيطة تتراوح في الطول ما بين المتوسطة والقصيرة وأحيانا يكفي أن توضع كلمات ذات قيمة عالية ، يحدد معيارها "الغياط" وقد يكون هو مؤلفها ، وتلقى بطريقة التقسيم بحيث يلقي الغياط شطر العبارة ويكمل الكورس بقيتها ، من قبيل:

"والحيلة ..دوم بلا حيلة"

"طنطاوي .. يا حامي طنطا .. مد ايدك .. واركب ع الشنطة"

"يا ناري .. آه يا ناري .. م المولى لو شاطت ناري"

"يا ويله آه يا ويله .. اللى جرّا اعقيلي بالحيلة"

"قيموها يا عقّالها .. عيني واجعني حالها"

"هم قالوا في القول لولي .. وين اتجيك الريح سايرة"

"يا لابس شولاك الوردي .. خوذ وردك واعطيني وردي"

كما أن كلماتها لا تخلو أحيانا من لهجة تحذيرية لمن يبحث عن المشاكل والشرور:

"موس بخوصة ما يخطاني .. ديمة ف الجيب الوراني".

 

التمسك بفن الغيطة

لا يزال فنانو الغيطة يسجلون حضورها في كل مناسبة يُدعَون إليها رغم تغير الزمن ودخول فنون أخرى ، وربما حدثت بعض الاشكاليات الشبابية أثناء نوبة الغيطة ..

يقول الفنان مسعود سواطير بنبرة لا تخلو من الأسى "هناك شباب جدد كلهم يقلدون قدامى الغياطين ، أما أنا فأغيّط أحيانا في بعض الأفراح والمناسبات في طبرق، لكن للأسف لم يعد هناك نظام وجو مناسب ، وأحيانا تحدث مشاكل بين الشباب أثناء الحفلة ، وكل هذا يسئ للغيطة " .

قلة العائد المادي من وراء حفلات الغيطة لم تثن عزيمة محبي هذا الفن ، فيبدي عادل الجنقال استعداده دوما لاحياء حفلات الغيطة .

يقول "أذكر أنني وقروب الكورس الذي يصل عدده الى 40 شخصا كنا نذهب في حافلات خاصة الى المرج والمدن المجاورة لاحياء الغيطة ونُستقبل بالترحاب الكبير، من الناحية المادية كانت الحفلات تغطي أتعابها ، لكن اليوم لا يوجد اهتمام كالسابق ورغم ذلك أنا مستعد لاحياء الغيطة دائما" .

يعدّ انتقالها إلى أروقة الجامعة وقاعات حفلات التخرج والأعمال التلفزيونية – عوضا عن أجواء الرحلات الشبابية - نقلة نوعية تضاف إلى وسائل انتشار الغيطة الأخرى..

يقول الفنان خليفة موحي "أنا حاليا أنظم حفلات في مشاريع التخرج في جامعة اجدابيا، وكذلك في بعض الأعمال الفنية المسرحية والتلفزيونية والاحتفالات العامة ، وغالبا ما نُدعى لحفلات العرس أو المهرجانات والمباريات الرياضية ، ويرافقني كورس من الشباب الهواة ، وألقى التشجيع من الناس وأعتقد انهم يتذوقون هذا الفنّ الراقي"

 

ويظل فنّ الغيطة في ليبيا عرضةً للتغييب والاندراس ، بين أرضية النسيان وسقف الانفتاح العالمي في ظل موجات التغريب والفنون الأكثر قدرة على الانتشار والصمود.

تمور جالو

محمد قبوزي , ثلاثاء 06-09-2016

تعتبر مدينة جالو من أبرز المناطق الليبية في إنتاج التمور الطبيعية ذات الأصناف عالية الجودة  والمميزة من ناحية

العسل الليبي

, أربعاء 07-09-2016

إن العسل في السنوات الماضية كان يعبر عن الكرم والجود في المنطقة الشرقية، حيث يقوم المسافر خارج المدينة بحمل العسل واللبن كهدية رمزية لمن يقوم بزيارتهم تعبيراً عن المحبة والعطاء.

, أحد 13-11-2016

مع دخول ليبيا مرحلة الصراع المسلح ارتفع سعر صرف الدولار مما أدى إلى عزوف الكثير من الطبقة الوسطى عن السفر لعدم قدرتهم على تحمل تكاليفه.