الفن كحاسة إضافية

الفن كحاسة إضافية

, اثنين 03-07-2017

 

في ألمانيا تعلّمت الثقة بالنفس وتنمية المواهب، وفي إيطاليا تعلّمتْ مشاركة إبداعها في المعارض، وفي بنغازي تعلّمت الحبّ وهو كلّ شيء.
يمكن العيش بلا بصر، بلا سمع، بلا حواسّ، ولكن لا حياة من غير أمل.

 


فاطمة فنّانة تعرّضت لحادث في مطلع سبعينات القرن الماضي وكان عمرها ثلاث سنوات. فقدت السمع والنطق فنقلها والدها من بنغازي إلى مصر. بقيتْ فيها للعلاج عاما، ثم اتجهت إلى ألمانيا وبقيت فيها مدة عامين ثم رجعتْ إلى بنغازي.

الرسم والتصوير والشعر والحياكة متعة حياتها، وحياتها تنطق أملا بقلبها لا بلسانها فقلّة من ينصت لها وهي: تحبّ بيكاسو لأنه يجسد التفاصيل الدقيقة، وترتجف عندما تقرأ له لوحة، والتصوير يبين روعة الخالق والكون والقرب من الله، وعشقته لاحقا من السينما الهندية، وتحبّ الشعر وتكتبه ومن شعرائها: نزار قباني فروحه كما قالت: قريبة من عقليّتها، شفّاف، كلماته سهلة كأنها لوحات تصوير ورسومات، والشابّي عنفوانه يعجبها، ويمثل جزءاً من شخصيّتها.

على غير موعد كان اللقاء، دخلت ملتقى ثقافيا في بنغازي، فأسرَني معرض - في جانب القاعة - للوحات فنّية كانت تنطق إبداعا وتبوح ألقا كالنسيم عطره، رسومات استوقفتني لأقرأ عناوينها فإذا بفاطمة وأختها الكبرى نور تقفان جانب الألواح وتتحدثان للزوّار، ابتسامة (فاطمة) الصادقة تنبئ عن قلب طيّب يعشق الحياة ويصنع الأمل، انتبهت إلى أن (نور) تقوم بالترجمة بلغة الإشارة التي تتكلم بها فاطمة. استأذنت وسألت من الفنانة. فأجابتني نور بأنها فاطمة أختي الأكبر فنّا وإبداعا وأنا أكبر منها سنّا، طلبت أن أتحدث معهما قليلا بعد نهاية الملتقى الثقافي ومنها كانت بداية اكتشاف لإنسانة حرمت النطق باللسان فنطق الجَنان في عينيها، وترجمته بيديها نماذج حيكت بريشة ينهمر منها الإبداع ويرتسم الفنّ في أبهى صوره، سأترككم مع تفاصيل اللقاء الذي ملأني أملا بأن القادم أفضل وأن الإبداع يولد في نفوس المتفائلين الجادّين في تحقيق أحلامهم وإليكم بعض أوطانه.


الطفولة ورحلة العلاج

في ألمانيا وجدتْ فنانتنا اهتماما كبيرا ورعاية من شخصيات ألمانية أشرفت على علاجها واستمدّت منهم الثقة بالنفس وتنمية المواهب وقد اكتشفت هناك في سنّ مبكّر موهبة الرسم حيث أقامت في منزل جدّتها في منطقة جبلية ومن حفيدة الجدّة الشابّة الرسامة عرفت فاطمة الفرشاة واللون هناك.


والطفولة مرحلة تكوين الحلم المدة التي بدأت تهتم فيها بهوايتها في الرسم وتفكر في استثمارها لتحقق النجاح، ومدة العلاج - مرحلة الإرادة - والتي أخذت سنوات من طفولة الفنانة.


صراع مع البيئة (المجتمع)


بعد مرحلة الطفولة صُدمتِ الفنانة بالواقع وكانت أحلامها أن تتحدّى الصّمم والمجتمع بإبراز ما تملك من مواهب في الرسم والتصوير وكتابة الشعر والحياكة ليساعدها ذلك في إثبات ذاتها في مجتمع ذكوريّ لا يهتّم بالأنثى فكيف إذا كانت هذه الأنثى صمّاء وبكماء؟!
الصدمة كانت أن المجتمع لا يهتم بالإبداع ويعتبر الفن والرسم تسلية، وأنّ مَن بإمكانهم مساعدة الصمّ والبكم من المسؤولين "يعتبرون أن الأصمّ غير قادر على الإبداع ويمكنه كسب عيشه من الخياطة أو النجارة التي يتعلّمها في معاهد الصمّ والبكم وأن التعليم ليس مهمًّا بالنسبة لهم" حسب قولها.


وصلتْ فاطمة لمرحلة أنّ الحلم قد يتحطم على أبواب مجتمع يضع العراقيل والعقبات في الحصول على أبسط الحقوق، فلم تستطع إكمال تعليمها، لأنه "في بلادنا وفي أغلب البلاد العربية لا يُسمح به للصمّ والبكم بحجة أن المعلمين في مرحلة الثانوية والجامعة لا يجيدون لغة الإشارة"، ومع هذا استطاعت في بيتها تعلّم الشعر والكتابة الأدبية وتثقيف نفسها بالقراءة، وتعلمتْ في هذه المرحلة أنّ التحديات كبيرة وأنّ النجاح باهظ الثمن.


الثقة بالله


يكبر الحلم مع العمر والتحديات كذلك تكبر، لكنّ الله أكبر،  بدأت فاطمة تكتشف أنّ سر النجاح هو الإيمان، وأنّ الله هو خير رفيق ومعين وأن القدر بيد الله، وأنّ البشر لا يستطيعون نفعًا ولا ضرًّا، وهي سعيدة جدًّا؛ لأنها مميزة كما يقال لها، وكل من يراها "سيوقن أن العجز في أذهان من يظنّ أنها كذلك" كما أخبرتنا أختها نور الكبرى والتي تشعر بأنها أصغر منها في كل شيء.


والمعاناة تصنع الإنسان الناجح إذا واجهها بالتحدي والشجاعة، "وحب الله في القلب يشجعك على فعل كل شيء"، ومع وجود أصدقائها إلا أن الصمت هو المعاناة؛ لأن أبسط حقوقها حرمتْ منها كالتعليم مثلا، ومعانتها المتمثلة في الصمت القاتل والذي قد يوصلها لمرحلة اليأس إلا أنها تتغلب عليه بثقتها بفرَج الله، والإبداع يولد من رحم المعاناة، فالمعاناة حاضرة في قصص المشاهير، و"بيتهوفن أصمّ، بيد أنه يبدع والكل يسمع إبداعاته الأخيرة قبل مماته إلا هو، وهذه قمّة المعاناة التي ننتصر عليها ونستمتع بإنجازاتنا".


دعم الأسرة قوّة


يظل حلم مواصلة تعليمها الجامعيّ ومشاركتها في المجتمع بلا عوائق تحدٍّ يؤرّقها أحيانا، ويأتي دور الأسرة التي شجّعتها على الاستمرار في طلبها للمعرفة وتنميتها للهوايات، ووقفت جنبها لتحارب من أجل تحقيق حلمها، وبفضل رعاية واهتمام والدها وأسرتها هي الآن تتحدّى المجتمع بما عندها من مواهب.


في مدة علاجها وإلى اليوم كان أهلها مصدر العون وقد تغلبت على كل الصعوبات بالدراسة في معهد الأمل للصّمّ والبكم في بنغازي فقد تعلّمت فيه وتحصّلت على  دبلوم خياطة وهو ما يفترض أن يعادل الشهادة الإعدادية، ثم يقف التعليم لهذه الفئة في المجتمع عند هذا الحدّ.
لكنها لم تتوقّف فقد درست في البيت بمساعدة أخواتها المعلّمات وتعلمت منهنّ القرآن والأدب والشعر، بالإضافة لتنمية المواهب، ومازالت تحلم بأن تدرس الأدب في الجامعة وتحصل على الشهادة الثانوية قبل ذلك، فعسى الله أن يحقق حلمها.
شاركت فأبدعت.


حرصت على المشاركة في الأمسيات الشعرية لأنها ترغب في مواصلة تعليمها في الأدب العربي، ومن الصعوبات التي واجهتها إلقاء الشعر وقد ساعدتها أختها نور في ترجمة مشاركاتها، وقد التقتْ في أمسية بالدكتورة منى الساحلي أستاذة الأدب العربي في جامعة بنغازي والتي كتبت عنها مقالًا في جريدة الأحوال عام 2012م تحدّثت فيه عن فاطمة وموهبتها الشعرية عنوانه "شاعرة رغمًا عن الصّمم والخرس" وتحدثت عن مجتمع لا يمنحها جزءا كبيرا من حقوقها، وكان هذا دعما معنويا كبيرا لها، فهمت من لغة الإشارة التي تحدّثت بها كيف أثّر هذا الموقف على حياتها ومنحها جرعة أمل لتحقيق الحلم، فالدعم المعنوي مهمّ ليكون رافدا لنا لتحقيق الهدف.


في إيطاليا رفقة أخيها الدكتور عبد السلام الذي قضى أكثر عمره هناك، شاركت في معارض فنّية وكانت متخوّفة لاختلاف البيئة ولكنها وجدت في منتديات الصمّ هناك قواسم مشتركة في الرسم والقراءة والتصوير، وتعلّمت منها كثيرا، زرعوا فيها روح الإقدام وتقديم الإبداع لطالبيه، والسير نحو الأفضل مهما كانت العوائق، فأنشأت معارض بعد عودتها وقد كان الرسم من قبل حبيس غرفتها، ونالت مشاركاتها استحسان الفنّانين، وتمّ استضافتها في قنوات محلية وعربية، وهذه كذلك كانت دعما معنويا لها، لم يتحقق لأن المجتمع من دفعها؛ بل لأنها فرضت نفسها بفنّها وإبداعها، ورُشحت للمشاركة في مسابقة للرسم في ألمانيا لم تظهر نتيجتها بعد، نرجوا لها التوفيق.


مراسلة أخيرة

رسالة الأصمّ والأبكم


قبل أن يُتهم الأصمّ بأنه عاجز منطوٍ على نفسه يجب على المجتمع أن يعي كيفية التواصل معه: إما باستكشاف لغته وتداولها في الأماكن العامة أو على الأقل أن يعرف من يتعامل مع الأصم بالكتابة أن يتحدث معه باللغة الفصحى؛ لأنه لا يتحدث العامّية في الدراسة، وبهذا "قد يتمكن المجتمع من اكتشاف المبدع داخله".وعلى المجتمع أن يمنحه الحب فهو القوة التي لا تقهر، وهو أقوى من الحرب، "فالحرب جعلتني أقلق على بلدي وأتألّم لما أصابنا، ولكنها زادت من ثقتي بأن الله لن يخذلنا وستنجلي الغمّة".

تهدي الفنّانة هذه اللوحة الفنّية التي ترمز إلى الطموح الذي لا توقفه القيود، فعنوان اللوحة "سأبقى حيًّا" وعندما نعكس الصورة سنلاحظ انعكاس الشمس والنخيل في الماء وهما جذور الحياة بالنسبة لها، ولم تلوّن اللّوحة لأنها ترى "أن الألوان تضفي اصطناعا وأن الأبيض والأسود هما الواقع الصادق بلا تزييف".

تمور جالو

محمد قبوزي , ثلاثاء 06-09-2016

تعتبر مدينة جالو من أبرز المناطق الليبية في إنتاج التمور الطبيعية ذات الأصناف عالية الجودة  والمميزة من ناحية

العسل الليبي

, أربعاء 07-09-2016

إن العسل في السنوات الماضية كان يعبر عن الكرم والجود في المنطقة الشرقية، حيث يقوم المسافر خارج المدينة بحمل العسل واللبن كهدية رمزية لمن يقوم بزيارتهم تعبيراً عن المحبة والعطاء.

, أحد 13-11-2016

مع دخول ليبيا مرحلة الصراع المسلح ارتفع سعر صرف الدولار مما أدى إلى عزوف الكثير من الطبقة الوسطى عن السفر لعدم قدرتهم على تحمل تكاليفه.