غريان ، نسيج الماضي

غريان ، نسيج الماضي

, أربعاء 27-09-2017

على بعد خمس وسبعين  كيلومتراً جنوب طرابلس، تنتهي رحلة الزائر لمدينة غريان لتبدأ رحلة أخرى يتلمس فيها ما تبقى من ملامح ماضٍ له رونق، ولون رُسم بنمط حياة ساكنيها. كان لمقتنيات البيوت فيه الأثر الأكبر، لنسج ما هو أكثر من العبائات، بل كانت تلك المقتنيات تغزل نسيجاً إجتماعياً مكتملاً لهذه المدنية الجبلية.

 

المشاركة نمط حياة يندثر 
"اييييه يا بنتي على هذيكا لايام ".. بهذه الكلمات بدأت الحاجة "بية اليعقوبي" ذات 68 خريفاً غريانية الملامح ، والابتسامة قد ارتسمت على محيّاها، تصف ما كان يحوي البيت الليبي من مقتنيات بالمطبخ وحجرة المعيشة. عندما أردتُ أن أعرف وجهة نظرها مقارنة بالوقت الحالي، ساند هذه الابتسامة كلمات كانت تقولها على حال الماضي "كنا سعداء جدًا بكل شيء، أما الآن فقد اختلف الأمر، كنا نعيش على مبدأ "لقمة هنية توكل مية".

الحاجة "بية اليعقوبي"

أضافت "الحاجة" كما يحب أن يسميها الجميع "كنا نتشارك كل شئ حتى مع الجيران، فكان من غير المعقول أن تطبخي شيئًا ولا تشاركي جيرانك به. ولو كان قليلًا أو قليلًا جدآ. فرائحة الطعام بـ"حوش الحفر" الذي يقطنه أفراد العائلة تدفعك للمشاركة وتقديم الموجود من الطعام. كان الجميع يقوم بنفس العمل ليس فقط في المناسبات وشهر رمضان والأعياد كما هو شائع الآن، ولكن كل يوم تقريبًا.

 وصفت الحاجة وضع عائلتها ومكانتها الاجتماعية المرموقة. والدها كان الكاتب العام لبلدية غريان إبّان خمسينيات القرن الماضي. " كان بيتنا مفتوحًا لجميع أهالي المنطقة وحتى الأغراب المارين. كان والدي - رحمه الله - لا يهنأُ إلا والضيوف في بيتنا" قالت الحاجة. ثم تضيف " أما الآن فالوضع اختلف كليًا فكل شيء متوفر. التكنولوجيا دخلت المطابخ، وقليلًا ما نعدّ وجبة يجتمع عليها الجميع. أولادنا يأكلون من المقاهي والمطاعم، ولاتجتمع العائلة بشكل رسمي لوجبات الفطار والغداء والعشاء. فالكل مشغول فى اللا شيء".
"حسرة مابعدها حسرة عندما أرى أحفادي من أولادي وبناتي لا يلتقون على سفرة" قالت الحاجة بية. هذه عادة كان الناس في السابق لا يأكلون إلا مجتمعين، وبحضور الجميع هكذا بدأ الامر.  اليوم وخصوصًا فى المدن الكبرى تجد الكثير يأكلون خارج البيت، ولا يجدون وقتًا لأي لقاء عائلي يزيد روح القرب والعلاقة العائلية الحميمة. 
بعد هذا الحديث الشيق والذكريات الجميلة، أردنا منها أن تعدّد لنا ما يحتويه البيت الليبي في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي. فهي تخصص حجرة في بيتها بمنطقة أولاد بن يعقوب (الجنوب الغربي لمدينة غريان)، مفتوحة للضيوف، وضعت بداخلها أغلب المقتنيات التي أعتنت بها جيداً. شاركتنا الحديث حولها قطعة بقطعة.

 

أكلٌ من "الرحاة" إلى "القدر" 
مضينا معها تستذكر أهم هذه المقتنيات، ولكل قطعة حكاية يجب أن تُحكى. لإنها بعضها ليس أداة تستعمل في المطبخ فقط، بل أداة لا غنى عنها في البيت.

الرحاة و الجره

 هنا بدأنا بالأداة التي تطحن الحبوب وتوفر لقمة العيش للجميع "الرحاة". أو "مصنع طعام للجميع" كما قالت. توصف على أنها أداة صنعت بتكنولوجيا الماضي. قطعتين كبيرتين من الحجارة، وعمود حديدي أو خشبي يمثل نقطة ارتكاز. يوضع القمح أوالشعير بينهما، ليطحن يدويًا بإمساك العمود وتحريكه بطريقه دائرية حتى يطحن المكونات. وقد يستغرق هذا العمل يومًا كاملًا للحصول على الدقيق الكافي لصنع الخبز للعائلة. أي بعبارة أخرى مصنع متكامل، من غسل الشعير و تجفيفه، إلى طحنه ، وعمل الخبز منه. يسمى هذا النوع من الخبز في غريان بخبزة الفرن أو خبزة التنور. فيما يستخدم الدقيق لصناعة البازبن والعصيدة والرشدة العربية والعديد من المعجنات الأخرى. حيث كان لكل فرد في العائلة دور ومهمة يحرص على إنجازها بشكل جماعي في إطار خط الإنتاج الذي تجتمع الأسرة لتسيره ، من جمع الحبوب لغسلها وتجفيفها لطحنها و طهوها أو خبزها لاحقاً.  

بنهاية هذه العملية تصبح المواد المكونة للأكلات الشعبية منزلية التصنيع جاهزة للطهو، فيأتي دور "القِدْر" هذا الإناء المصنوع من النحاس محلياً، بأحجامه المختلفة لطهي الطعام في مختلف الوجبات. "البازين" أكثر الأكلات شعبية وشهرة بالمدينة يطهـــى  في هذا القدر. يستخدم أيضا لطهو مأكولات أخرى كالعصيدة وغيرها.

 

 

الملابس، و نسيج "المسدة" 
عند الحديث هناعن نمط الحياة بمدينة ترتفع عن مستوى سطح البحر بـ 700 متر تقريبا، فلابد لنا أن نتسآل عن طرق تعايش أهل هذه المدينة مع مناخها البارد. حيث تنخفض درجات الحرارة في فصل الشتاء الممتد من أواخر شهر نوفمبر حتى بداية شهر مارس، إلى ما دون الصفر المئوي أحياناً.
حدثتنا "الحاجة" عن المسدة ( وهي آلة للنسج محلية الصنع) وقصصها عن نسج الجرود ( الجرد ثوب من قطعة واحدة ينسج من الصوف، ويُلفّ على الجسم، يتدرج بين لوني الصوف الأبيض أو البني. ويرتديه الرجال فقط). عن نسج "البطاطين" وهي الأغطية المستخدمة في فصل الشتاء للتدفئة. تتلون هذه البطاطين بمجموعة ألوان مختلفة. لتضيف صاحبة المسدة، ما أشبه بالتوقيع في الجزء السفلي من البطانية يتمثل في رسم لشعار تختاره ليميز منتجاتها عن باقي منتجات النسوه.

يتم تركيب المسدة بتخصيص يوم كامل لذلك من مجموعة من نسوة المنطقة ، تُجمع أعداد كبيرة من القطع المختلفة من الأعمدة الخشبية. ليتم تركيبها بشكل هندسي معين يسمح للخيوط المصنوعة من الصوف والقطن بالمرور من خلال الألة لنسجها. تصنع أيضاً عدد من مستطيلة الشكل. تستعمل لترطيب الصوف تهيئته لمرحلة الغزل عن طريق مشطه مراراً و تكراراً .  "اليشفه"  وهي عبارة عن إبرة كبيرة الحجم تستخدم لربط مسام النسيج.  و"المغزل" وهو قطعة من الخشب يلف حولها الصوف ليتم عن طريقها تحويله إلى خيوط رفيعة تستخدم لاحقآ فى الحياكة. و"الخلالة" والتى تستخدم فى رص النسيج وضبط مسامه لإنتاج منسوجات ذات جودة عالية. تستهلك عملية إنتاج قطعة واحدة عاماً كاملاً حيث ذكرت الحاجة أنها أنتجت لعائلتها أكثر من 9 قطع مختلفة موجودة ومستخدمة إلى يومنا هذا.

 

السكن بين "حوش الحفر" والسعف 
 تتميز أغلب المناطق والمدن الليبية، بنسق معماري قديم يميز تلك المدن عن بعضها البعض بإختلاف مواقعها الجغرافية. تطورت في المناطق الجبلية هندسة "حياش الحفر"، وما اتسمت به من خصائص استحدثت للتكيف مع الظروف المناخية، والإمكانيات المتاحة حينها. "حوش الحفر" هو التسمية التي تطلق على البيوت المحفورة تحت الأرض باستخدام فنون العمارة القديمة. وقد اشتهرت بها مدن جبل نفوسة. منطقة القواسم شمال مدينة غريان تحتضن أحد أشهر "حياش الحفر" القليلة المتبقية التي لاتزال تحافظ على الشكل المعماري الخارجي والداخلي، وما احتوته من مقتنيات منزلية. نستذكر منها "العلاقة" أو "القفة" والتي تصنع جميعها يدوياً من "السعف" ( السعف هو جريد النخيل اليابس). يستخدم السكان القفة كالكيس "الصديق للبيئة"  لحمل الخضروات، والمشتريات من السوق. وتستغل أيضاً للتخزين داخل البيت. ويستخدم السعف أيضاً لصناعة المفروشات التي كانت تزين أرضيات وجدران البيت. وهو ما يسمى "بالحصيرة" او "التازيري" لتمتد استخدامات السعف لصناعة "المروحة" وهي أداه يدوية لتلطيف الهواء. ولأغطية الرأس وغيرها من مصنوعات السعف اليدوية.      

 

سوق الفخار و تقنيات التصنيع الحديث 
مرورآ بمنطقة الميامين - القواسم غريان. سنجد أن مصانع الفخار ومحلات بيعه على الطريق المتجه لمدينة غريان تعرض منتجاتها على حافة الطريق. هناك التقينا أحد الباعة، شاب ذو ملامح جبلية لايتجاوز عمره 25 عامآ. ولكنك ترى من خلال عينيه تاريخ المكان، وإرث الأجداد. حدثني قائلاً " ورثتُ هذا المحل عن والدي، الذي ورثه عن والده. وهو مصدر دخل عائلتي، وإرث نتناقله من جيل لأخر". اتخذنا طريقاً بين البضاعة المعروضة وهو يحدثني عن المنتجات المحلية. صناعة تقليدية أصبحت تنتج بواسطة الات حديثة ومصانع متطورة. الكل هنا فى البيوت لازال يستخدم هذه المنتجات. كما يتم تصدير بعض تلك المنتجات خارج ليبيا لمالطا على سبيل المثال بالتحديد حسب قوله.
الإستثمار الأكبر هنا هو الطين، حيث تتميز التربة الجبلية في غريان بكونها تربة طينية. وهي المادة الخام الأساسية لهذه الصناعات. المعروضات كثيرة و أكثرها رواجاً هو "الفرن" المستخدم لتحضير الخبز. و"القدرة" وهي نوع من الأواني يستخدم لطهو الطعام . و"البرادة" وهي إبريق يستخدم لحفظ وتبريد الماء .و"الزير" وهو إناء طولي الشكل مجوف يستخدم لحفظ اللحوم المجففه و زيت الزيتون. وهناك الصحون و الأكواب، والتحف المنحوتة بأشكال وأحجام مختلفة جميعها صنعت من الطين. 
                                         

 مهرجانات الصناعات التقليدية
يقام سنويآ عدة مهرجانات في ضيافة مبنى الصناعات التقليدية بوسط مدينة غريان، وبتنسيق وتعاون من المجلس البلدي غريان. حيث ذكر السيد "يوسف قدمور" عضو المجلس البلدي غريان المكلف بملف إدارة المهرجانات. "نعمل بتنسيق جيد بيننا وبين قطاع الصناعات التقليدية". وذكر إشراف البلدية على عدة مهرجانات منها مهرجان يوم الزيتون السنوي الذي يوافق 17 نوفمبر من كل عام. ومهرجان الفخار السنوي الذي يوافق 25 سبتمبر من كل عام. أيضاً بعض المعارض الأخرى كمشاركة العائلات المنتجة من مدينة غريان في بعض المهرجانات والمعارض خارج المدينة في يفرن، وتاجوراء وزليتن، وطرابلس.

رغم تطور وسائل وطرق صناعة هذه المنتوجات والمقتنيات، إلا أنها لازالت تستحوذ على اهتمام أهل مدينة غريان. فغالب تلك المقتنيات صنعت لتلائم ظروف ومناخ هذه المدينة الجبلية. إن التجديد الحاصل في وسائل تصنيعها يتغير بتطور التكنولوجيا وهو ما يؤثر و يتأثر بنمط الحياة و يعمل على إعادة تشكيل النسيج الإجتماعي بشكل أو بأخر ، رغم كل ذلك تبقى هذه المنتجات حلولاً ابتكرها الأجداد لازالت تفرض نفسها  كالخيار الأمثل لتسييرحياة أبناء هذه المدينة حتى يومنا هذا .

 

 

صندوق الحقائق
أغلب المنتجات والمقتنيات السابق ذكرها متوفرة بسوق "الفخار"بمنطقة القواسم ببلدية غريان .
خبزة الفرن أوالتنور : الخبز المحضّر في "الفرن" بعد طحن الدقيق بإستخدام "الرحاة". يستخدم هذا الدقيق لإعداد عديد الوجبات الشعبية الأخرى كالبازبن والعصيدة  والرشدة العربية والعديد من المعجنات.
تستغل التربة الطينية بغريان لصناعات أخرى ذات طابع إنشائي كالطوب والآجر.

فروسية ببنغازي

خاص , اثنين 31-10-2016

ديدولا هي الفرس المفضل لدى نورية ٫ علاقة لم يمر عليها أربعة أشهر شعرت خلالها نورية برابط مختلف يجمع كليهما٫ متمايزة بذلك عن باقي الجياد الموجودة في النادي ٫ كانا يسابقان الريح

الثوب الجالاوي

محمد قبوزي , خميس 01-09-2016

تتميز نساء مدينة جالو بارتداء ملابس ذات طابع خاص والتي تميزها عن باقي نساء مدن ليبيا والذي يسمي " بالثوب الجالاوي "

مسجد أوجلة العتيق

محمد قبوزي , أربعاء 16-11-2016

تمّ بناء مسجد أوجلة العتيق في بداية الفتح الإسلامي و له تسعة أبواب أحدها يطل على ميدان قصر أورومان أحد المعالم الأثرية القديمة.